ابن كثير
277
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال : فضحك النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال لي : « أفلحت يا سواد » فقال له عمر رضي اللّه عنه : هل يأتيك رئيك الآن ؟ فقال : منذ قرأت القرآن لم يأتني ونعم العوض كتاب اللّه عز وجل من الجن . ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين . ومما يدل على وفادتهم إليه صلى اللّه عليه وسلم بعد ما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة ، حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن عبدة المصيصي ، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن أسلم أنه سمع أبا سلام يقول : حدثني من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال : أتيت عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه فقلت له : حدثت أنك كنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة وفد الجن . قال : أجل ، قلت : حدثني كيف كان شأنه ! فقال إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه ، وتركت فلم يأخذني أحد منهم ، فمر بي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « من هذا ؟ » فقلت : أنا ابن مسعود ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما أخذك أحد يعشيك ؟ » فقلت : لا ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « فانطلق لعلي أجد لك شيئا » . قال : فانطلقنا حتى أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حجرة أم سلمة رضي اللّه عنها ، فتركني قائما ودخل إلى أهله ثم خرجت الجارية فقالت : يا ابن مسعود ، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يجد لك عشاء فارجع إلى مضجعك ، قال فرجعت إلى المسجد فجمعت حصباء المسجد فتوسدته والتففت بثوبي ، فلم ألبث إلا قليلا حتى جاءت الجارية فقالت : أجب رسول اللّه . فاتبعتها وأنا أرجو العشاء حتى إذا بلغت مقامي خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي يده عسيب « 1 » من نخل فعرض به على صدري فقال صلى اللّه عليه وسلم : « انطلقت أنت معي حيث انطلقت » قلت : ما شاء اللّه فأعادها علي ثلاث مرات . كل ذلك أقول ما شاء اللّه فانطلق ، وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد فخط صلى اللّه عليه وسلم بعصاه خطا ثم قال : « اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك » ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل ، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت قبله العجاجة السوداء ففرقت فقلت : ألحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإني أظن أن هوازن مكروا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليقتلوه ، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس ، فذكرت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أوصاني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه ، فسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرعهم بعصاه ويقول : « اجلسوا » فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح ثم ثاروا وذهبوا ، فأتاني رسول اللّه فقال : « أنمت بعدي ؟ » فقلت : لا ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت ، فأستغيث الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك ، وكنت أظنها هوازن مكروا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليقتلوه ، فقال « لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما آمنهم عليك أن يختطفك بعضهم ، فهل رأيت من شيء منهم ؟ » .
--> ( 1 ) العسيب : جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها .